الخصخصة متى نحتاجها ؟
- Manal Sawaf

- 21 يناير 2025
- 6 دقيقة قراءة
ليس من الواقعية أن نرى في الخصخصة حلا شاملا أو وسيلة سهلة للخروج من أزمات إدارة مؤسسات الدولة التي تعاني من مشاكل عديدة ،فهي أداة قد تكون مفيدة في بعض السياقات ولكنها ضارة في سياقات أخرى.
نجاح الخصخصة أو فشلها يعتمد على كيفية تنفيذها وعلى السياق الإقتصادي والإجتماعي الذي تُطبق فيه.
فمن الضروري النظر بعناية إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قبل اتخاذ قرار الخصخصة.
فالخصخصة تعني تحويل ملكية وإدارة المؤسسات أو الأصول من القطاع العام (الحكومة) إلى القطاع الخاص بهدف تحسين الكفاءة التشغيلية وتحقيق أرباح أكبر مقارنة بالنتائج التي تحققها الإدارة الحكومية وقد تتم عن طريق بيع الأصول الحكومية أوتحريرالسوق أوعقد شراكات بين القطاعين العام والخاص.
بدأت فكرة الخصخصة تظهربوضوح في الثمانينيات من القرن الماضي مع سياسات حكومة مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة حيث تم خصخصة العديد من الشركات المملوكة للدولة مثل شركات الفحم والاتصالات والسكك الحديدية و تم بيعها للقطاع الخاص بهدف زيادة المنافسة وتحسين الكفاءة وفي عهد رونالد ريغان في الولايات المتحدة حيث تم بيع عدة شركات حكومية مثل شركات الطيران والاتصالات والسكك الحديدية إلى القطاع الخاص كما طبق تخفيضات ضريبية كبيرة، خاصة على الطبقة المتوسطة والعليا بهدف تحفيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وزيادة الثقة في السوق بالاضافة الى إلغاء القيود التنظيمية على العديد من قطاعات الصناعة والطاقة مما سمح للشركات الخاصة بالعمل بحرية أكبر بما في ذلك تحرير أسواق المال والسماح للمؤسسات المالية بالعمل بحرية بهدف زيادة المنافسة والابتكار.
لكن لماذا تعتبر الخصخصة ضارة احيانا؟
قد تؤدي الخصخصة إلى رفع الأسعار وتقليص الخدمات، مما يضر بالفئات ذات الدخل المحدود إضافة الى إمكانية تراجع قدرة الحكومات على مراقبة القطاعات الحيوية إذا تمت خصخصتها بالكامل إلى جانب تركيز الشركات الخاصة على الأرباح مع إهمال الإعتبارات الإجتماعية والبيئية.
لهذا و في حال عدم وجود منافسة حقيقية قد تسيطر الشركات الخاصة على السوق وتحتكر الخدمات أو المنتجات.
فعلى سبيل المثال في قطاع المياه شهدت مدينة جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا في عام 1999 خصخصة خدمات المياه مما أدى إلى تحسين الكفاءة التشغيلية لكنه تسبب في ارتفاع التكاليف على الأسر ذات الدخل المنخفض.
وفي الهند، خُصخصت شركة (BSNL) للاتصالات في أوائل التسعينيات، مما ساهم في انتشار خدمات الهاتف المحمول بشكل واسع مع تحسين الجودة، ولكنه أدى أيضا إلى هيمنة الشركات الكبرى.
ولكن وعلى الجانب الآخرولأن الشركات الخاصة تميل إلى تشغيل الموارد بكفاءة أكبرفإن تحسين الكفاءة وتعزيز الابتكار وتحسين جودة الخدمات من أهم الآثار الإيجابية للخصخصة إضافة إلى تخفيف الأعباء المالية عن الحكومات من خلال تقليل تكلفة إدارة وتشغيل المشاريع الأمرالذي يؤدي إلى جذب إستثمارات جديدة وتحفز النمو الإقتصادي.
ففي ألمانيا عندما خُصخصت شركات الطاقة مثل شركة (E.ON) حدث تنويع لمصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
وفي تركيا عندما خُصخصت الخطوط الجوية التركية (Turkish Airlines) في عام 2006 أدى ذلك إلى تحسين الخدمة وزيادة الكفاءة التشغيلية بشكل ملحوظ مع تحقيق نمو في الإيرادات.
أي الاقتصادات تحتاج الخصخصة وأيها لا تحتاج ؟
المجتمعات التي تتمتع بكفاءة عالية في إدارة القطاع العام مثل الدول الإسكندنافية قد لا تحتاج إلى الخصخصة بنفس الدرجة التي تحتاجها المجتمعات الأخرى.
فالدول الإسكندنافية، مثل السويد والنرويج والدنمارك، لديها تاريخ طويل من الكفاءة في إدارة القطاع العام بكفاءة عالية لتمتعها بأنظمة تعليمية وصحية قوية وخدمات إجتماعية فعالة ومستويات عالية من المساواة الإجتماعية وقد حققت هذه الدول نجاحا ملحوظا في توفير الخدمات العامة ذات الجودة العالية لمواطنيها.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الخصخصة غير موجودة تماما هناك فقد يتم اللجوء إلى الخصخصة بشكل جزئي أو في قطاعات محددة، مثل بعض الخدمات اللوجستية أو الخدمات غير الأساسية.
ولابد من الإنتباه إلى أن الدول الإسكندنافية تتبنى نهجا توافقيا في صنع القرارحيث يتم التشاور مع المواطنين والمجتمعات المحلية في عملية اتخاذ القرارات.
وهذا النهج يضمن أن القرارات المتعلقة بالخصخصة، إن وجدت، تأخذ في الاعتبار آراء ومصالح جميع الأطراف المعنية.
أما الدول التي تعاني من ضعف في أداء القطاع العام حيث تكون الخدمات رديئة أوغيركافية او الدول التي تسعى لتحفيزالنمو وتحسين البنية التحتية فإنها تحتاج إلى الخصخصة.
ولابد من الإنتباه للآثارالإجتماعية للخصخصة إذا لم تُدار بشكل جيد إذ قد تؤدي إلى تسريح العمالة بسبب التركيزعلى الكفاءة وتقليص التكاليف وقد تسبب زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء والشعوربعدم المساواة والاحتجاجات الاجتماعية.
وعلى العموم لا بد من الانتباه إلى أن الخصخصة هي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها و الهدف الأساسي منها هو تحقيق تحسينات في الأداء الاقتصادي وليس مجرد نقل الملكية.
إجراءات الخصخصة وكيفية تنفيذها
· بداية يجب تحديدأهداف واضحة ودقيقة للخصخصة ، وتشمل تحسين الكفاءة، تعزيز الجودة، جذب الاستثمارات، وزيادة التنافسية. كما يجب أن تتماشى هذه الأهداف مع الاستراتيجية الاقتصادية العامة للدولة لتحقيق التنمية المستدامة.
· تحديد القطاعات التي يمكن أن تحقق الخصخصة فيها فوائد دون التأثير السلبي على الخدمات الأساسية كما أنه من المهم اختيار القطاعات التي تتمتع بإمكانات للنمو وتقديم قيمة مضافة مثل قطاعات الطاقة المتجددة أو الاتصالات. ولعله من أهم المعايير لاختيار هذه القطاعات قدرتها على جذب الاستثمارات طويلة الأمد ومساهمتها في تعزيز التنمية المستدامة وتأثيرها الإيجابي على الاقتصاد الوطني وقد ذكرنا في المثالين السابقين كيف ان خصخصة قطاع الطاقة في ألمانيا ساهمت في تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وكذلك أدى خصخصة قطاع الاتصالات في الهند إلى تحسين الخدمات وانتشارها في المناطق الريفية.
· التقييم المالي ويتضمن إجراء تقييم شامل للأصول المستهدفة لتحديد قيمتها السوقية بدقة، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الاقتصادية مثل العرض والطلب، وأداء السوق الحالي، والقيمة الاستراتيجية للأصول. يُفضل إشراك خبراء محايدين لضمان شفافية التقييم.
بالإضافة إلى ذلك، ينبغي مراجعة التقييمات بشكل دوري للتأكد من مطابقتها للتغيرات الاقتصادية. هذا التقييم يساعد في ضمان أن تتم عملية الخصخصة بأسعار عادلة ومنافسة.
· تصميم إطار قانوني وتنظيمي من خلال وضع قوانين ولوائح تضمن الشفافية والعدالة في العملية، مع التأكيد على متابعة التنفيذ عبر هيئات مستقلة لضمان الالتزام بالقوانين، ومراجعة دورية لهذه القوانين لضمان مواكبتها للتحديات الجديدة.
· تنفيذ تدريجي حيث يتم تطبيق الخصخصة بشكل تدريجي عبر مراحل زمنية مدروسة مع توفير الدعم الفني، المالي، والإداري خلال كل مرحلة. يتطلب ذلك وضع جدول زمني مرن يتماشى مع خصوصية كل قطاع، والتأكد من وجود آليات للمتابعة والتقييم المستمر لضمان تحقيق الأهداف وتقليل المخاطر المحتملة. هذا النهج يتيح الوقت الكافي للأطراف المعنية للتأقلم مع التغيرات وإجراء أي تعديلات ضرورية.
· إشراك الأطراف المعنية: إن التواصل مع المواطنين والمؤسسات من خلال تنظيم لقاءات تشاورية شاملة ومستمرة وتقديم تقارير شفافة بلغة مبسطة وضمان توفير قنوات مخصصة لاستقبال ملاحظات جميع الجهات ذات العلاقة و أن تشمل هذه اللقاءات مختلف الفئات المجتمعية مثل العمال عبر النقابات والمستهلكين عبر جمعيات مختصة لضمان تحقيق توازن بين المصالح المتعددة. كما يمكن إجراء استبيانات دورية لتقييم مدى رضا الأطراف المعنية وتحليل نتائجها لاستخدامها كمدخلات مباشرة في تعديل وتطوير خطط الخصخصة.
فيما يستخدم ناتج الخصخصة؟
o من المهم تجنب تمويل عجز الموازنة من عائدات الخصخصة حيث ينبغي أن تخصص لتمويل مشاريع تنموية طويلة الأمد تعزز نمو الاقتصاد في القطاعات الاستراتيجية.
فعلى سبيل المثال قامت ماليزيا بتوجيه عائدات خصخصة قطاع الاتصالات إلى مشاريع البنية التحتية التعليميةلرفع جودة التعليم وتحقيق تأثير اقتصادي إيجابي طويل الأمد
o من المفيد جدا توجيه عائدات الخصخصة لتمويل مشاريع البنية التحتية مثل الطرق والمستشفيات والمدارس، بالإضافة إلى تعزيز القطاعات الحيوية مثل التعليم العالي والبحث العلمي فعلى سبيل المثال تم توظيف ناتج خصخصة قطاع الاتصالات في سنغافورة لتحسين البنية التحتية الرقمية وناتج خصخصة قطاع النقل في اليابان لتمويل شبكات السكك الحديدية المتطورة وهذا ساهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة الإنتاجية الاقتصادية.
o توظيف ناتج الخصخصة في تحفيز الابتكار واستثمار العائدات في تعزيز ريادة الأعمال والتكنولوجيا من خلال تمويل المؤسسات الناشئة ودعم الأبحاث العلمية وتطوير البنية التحتية الرقمية ففي تجربة كوريا الجنوبية استخدمت عائدات الخصخصة في تعزيز صناعة التكنولوجيا وتطوير المؤسسات الناشئة مما ساعد في تحويلها إلى واحدة من أكبر مراكز الابتكار في العالم.
o من المهم استخدام العائدات في زيادة الاحتياطات المالية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل الديون وزيادة قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الاقتصادية من خلال إنشاء صندوق سيادي مخصص لاستثمارات طويلة الأجل في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة المتجددة التكنولوجيا والبنية التحتية مما يضمن تحقيق عوائد مستدامة على المدى البعيد.
هل الخصخصة دائمة أم مؤقتة
يمكن أن تكون الخصخصة مؤقتة حيث تعود بعض الأصول إلى الدولة إذا تبين أن القطاع الخاص غير قادر على تحقيق التوازن بين الربحية والمصلحة العامة وقد تصبح دائمة إذا أثبتت نجاحها في تحقيق الأهداف المرجوة.
ماهي تحديات نجاح الخصخصة؟
من المؤكد أن عدم الشفافية أثناء وبعد تنفيذ الخصخصة أو غياب الإطار القانوني المناسب سيؤدي كل ذلك الى فساد مالي وإداري وسوء استغلال القطاع الخاص للأمر وهكذا تفشل الحكومات في إدارة عملية الخصخصة بكفاءة.
هل هناك سياسات البديلة للخصخصة ؟
من الممكن الإستغناء عن الخصخصة في حال :
إجراء إصلاحات في القطاع العام لتحسين الأداء من خلال تعزيز الكفاءة وتقليل الفساد داخل المؤسسات العامة.
التنظيم الفعال ووضع قوانين صارمة لضمان تقديم الخدمات بشكل عادل ومنصف.
إنشاءالشراكات بين القطاعين العام والخاص و توفير توازن بين استثمارات القطاع الخاص وقيود الحكومة.
عموما الخصخصة ليست حلا سحريا لأنها تحتاج إلى بيئة تنظيمية قوية لضمان تحقيق المصلحة العامة.
من أهم التوصيات للحكومات المقبلة على الخصخصة أن الخصخصة تحتاج الى :
المؤسسات القوية: بما في ذلك وكالات تنظيمية مستقلة وقوية تعمل بشكل مستقل عن الحكومة أو الشركات الخاصة وتكون مسؤولة عن وضع القواعد واللوائح التي تحكم القطاع المخصخص. ويجب أن تكون هذه الوكالات قادرة على إتخاذ القرارات دون تدخل سياسي أو تأثير من الشركات الخاصة. هذه المؤسسات تساعد في ضمان المنافسة العادلة، وحماية حقوق المستهلكين، ومراقبة جودة الخدمات المقدمة.
شفافية وفاعلية النظم والقوانين : من خلال إصدار قوانين ولوائح واضحة هدفها توفير بيئة مستقرة ومشجعة للاستثمار الخاص.
التخطيط والتنظيم الفعال لعملية الخصخصة حيث يتم وضع إطار عمل واضح و تحديد الأهداف والنتائج المرجوة
الشراكات بين القطاعين العام والخاص حيث تتعاون الحكومة مع القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل وذلك بالجمع بين خبرات القطاعين
إنشاء آليات رقابة ومحاسبة فعالة لضمان المساءلة
التواصل مع المواطنين وتعزيز الشفافية من خلال إشراك الجمهور في العملية وتوضيح الفوائد المستهدفة


.png)



تعليقات